مريد: غريب في بلدي إنسان بحقوق في بلاد الناس

30 سنة • رجل • مغربي

انا من مدينة الداخلة، في الصحراء الغربية، لكني ولدت في العراق سنة 1987.

كان أبي يشتغل هناك حينها. اشتغل هناك حوالي ست سنين كعامل. ورجعنا الى المغرب سنة 1989، مع الحرب العراقية الايرانية. كنت طفلا، لا أتذكر شيئا كثيرا.

لما رجعنا كأسرة مجتمعة بعد الحرب من العراق، قضينا في مدينة طانطان قليلا من الوقت، حوالي عام او عام ونصف، ثم توجهنا الى الداخلة.
تنحدر امي من مدينة المحمدية وابي صحراوي.

اللغة الأم التي كنا نتحدث بها في البيت هي الدارجة المغربية، لأن أبي عاش في الدار البيضاء طويلا. فضلا عن أن أمي من المحمدية.

قضيت وقتا طويلا اتحرك على طول الساحل، كنت احيانا اشتغل في اكادير او القنيطرة او غيرهما… وكان ركوب الأمواج (السورف) غرامي وشغلي وعامل حركتي واستقراري، الى جانب صيد السمك ايضا ومختلف الانشطة المرتبطة بالبحر.
بدأت التحرك بوتيرة كبيرة سنة 2012. اروح وارجع للداخلة بدون انقطاع.

لكن الرحيل النهائي عن الداخلة كان لما جئت لفرنسا. جئت لمارساي تحديدا.

ما الحدث الذي جعلك تُقرر ان تغادر؟
حينها، تعرفت على زوجتي (الفرنسية). وأصبحت عندنا علاقة غرامية جدية، وفكرتُ بأننا لن نستطيع العيش هناك وأن علينا المغادرة، وتحديدا هي، إذ من الصعب لها أن تتعايش مع التقاليد هناك. وافترضتُ اني بعكسها استطيع ان اعيش في فرنسا بيسر. وقررنا أن نأتي. لم تكن المرة الأولى التي دخلت الاتحاد الأوروبي، إذ كنت زرت جزر الكناري أكثر من مرة، بحكم قربها من الداخلة، كنا نأخذ المركب ونذهب، اظن اني ذهبت هناك ثلاث مرات. كان حب الاستطلاع هو الذي يأخذنا الى هناك لما كنا فتيانا. كنا نغامر كفتيان مغامرات خطيرة احيانا. يدفعنا الفضول.

كيف تعلمت اللغة الاسبانية؟
تتعلم الاسبانية في شوارع الداخلة، أجزاء من اللغة. مع الأسف لم اتعلم اي شيء من المدرسة في المغرب، حينها. كل ما تعلمت كنت أتعلمه من الشارع، ومنه بعض التعابير والكلمات والجمل باللغة الاسبانية.
في الداخلة كاملة كانت هناك مدرسة واحدة، فيها ابتدائية واعدادية وثانوية، كان اسمها حينها “ولي العهد” ثم الان صار اسمها “محمد السادس” ثم فتحوا مدرسة اخرى اسمها “الحسن الثاني”. درستُ الى السنة الاخيرة من الاعدادية، وتوقفت… احس أني لم أتعلم شيئا هناك.

لما انقطعت عن الدراسة، رحت أساعد والدي في التجارة.
أبي كان انطلق من الصفر لما غادرنا العراق، واضطررنا ان نغادر البلد لما احترق بيتنا هناك نتيجة الحرب. وعانيت كثيرا في حياتي بالمغرب نتيجة احتراق أوراقي الثبوتية هناك.

لم تحصل على الجنسية المغربية رغم أن والديك مغربيين إلا متأخراً.. كيف كانوا يبررون ذلك؟
كانوا يقولون اني ولدت في الخارج، وأن وثائق ولادتي هناك لا توجد. لم يغيروا القانون لحالة مثلي إلا مؤخرا، ربما منذ خمس سنين فقط.

كيف بوسع الواحد أن يعيش من غير أوراق في بلده؟
هكذا، بصعوبات كثيرة كل يوم، لما تريد الشغل او تكتري او تفتح حساب، هذه كلها أشياء تحتاج بطاقة هوية، وبحكم انها لم تكن عندي، فقد حُرمت من الكثير من فرص العمل التي وجدت.
لم احصل على بطاقة هوية وطنية حتى وصلت لحوالي 28 سنة من عمري، بعد ان حرمت من الكثير من الفرص.
كانت فقط عندي شهادة تشهد ان عندي مشكل في الأوراق لأنه وُلد في العراق، وانه ليس عنده الوثائق الادارية الاصلية التي تمكنه من الحصول على البطاقة الوطنية.

كنت حكيت لي عن انك عشت تجربة السجن، أخبرني ثاني؟

كانت تلك آخر تجربة لي في المغرب، كانت تجربة طمع… كنت اشتغل مع فرنسي عنده كومبينغ في الداخلة، هو وزوجته.
اشتغلنا نحن الثلاثة على المشروع، بعد ذلك غادر هو الى فرنسا، ثم غادرت زوجته، وبقيت انا اسير الموضع، واسير الكومبينغ حوالي ثلاث سنوات بكل مسؤولياته لوحدي. بعد ذلك بدأ يجيء ناس، كانوا ساعدوه لما جاء في اول ما جاء، بدؤوا يجيؤون عندي يقولون انهم شركاء، ويفترضون مني ان علي تسليمهم كل شيء، بينما كنت اخبرهم انها أمانة عندي، وان المالك حي، وكانوا يدعون انه مات. واخبرتهم اني سأسلم المشروع لمالكه.

بدؤوا يرسلون لي أشخاصا من السلطات المحلية، وبدؤوا يحاولون الايقاع بي عبر ايجاد سياق يمكنهم من ذلك.
ارسلوا لي عون سلطة جاء يشتكي، من الطريق، التي كنا قد إجترحناها بأيدينا أمام غياب خدمات الدولة والعزلة. جاء يقول لي مرة ان علي ان احصل على رخصة من أجل ذلك. كان يفترض ان يشجعني، وبدل ذلك جاء يقول لي عمن أعطاني الحق!
لما كان يلومني، كنت تقريبا لا أسمع للومه، اذ كنت اعرف ان هناك فخ رُتب مسبقا، للايقاع بي، من اجل وضع اليد على المشروع. عام وانا اتوقع، تطلب الامر عاما كاملا، لكي تصلني الضربة. رأيت البوليس قادمين حينها دخلوا ارض الكومبينغ، ايقظوني في حوالي الثالثة ليلا، كنت نائما في غرفتي، اخبروني انه يلزمني ان اذهب معهم.

ما التهمة التي كانوا رتبوا لك؟
قالوا، شيئا من قبيل، اني كنت استضيف في الكومبينغ، شخصا، مبحوثا عنه من الشرطة، رغم علمي، واني اساعده في التستر. وفي مواجهة الضابطة القضائية جهزوا ملفا ثقيلا ضدي، بدعوى اني قاومت اعتقالهم لي.
قبل ان يعرضوني على وكيل الملك، لم اكن حتى أعرف ما التهمة التي ينوون التوجيه لي، قالوا لي وقع هنا، ورفضتُ، اردت ان اعرف ماذا يوجد في الملف قبل ان اوقع. فادعوا اني رفضت التوقيع. بعد ذلك فتح الملف، وكان نصا طويلا، لا يوجد منه أي شيء صحيح. ثم حكموا علي بثمان شهور سجنا نافذا. كان عمري حينها 27 سنة.
بعد سنتين في المغرب، حاولت الاشتغال فيها، ثم تعرفت على من صارت زوجتي الأن، ثم تركت بلادي، إلى مارساي.

أول ما انهيتُ مرحلة السجن، التي كنت قد قضيتها بين سجن الداخلة وسجن العيون، قررت مغادرة المدينة، واشتغل في أماكن أخرى. تجربة السجن كانت وسما سلبيا على حياتي، وفي المغرب تسقط الكثير من الحقوق نتيجة قضاء تجربة السجن، يصبح ملفك الجرمي “موسخ”. تحس وكأن علاقة الثقة التي كانت مع الآخرين او المجتمع قد انكسرت.

كيف يحرمك من تلك الحقوق؟
تحسُ وكأن كل شيء تغير في حياتك، اخلاقيا ونفسيا. مثلا هناك الكثير من فرص العمل في المغرب يشترطون “حسن السيرة والسلوك”، حتى للدراسة والتكوين المهني والعمل. في فرنسا مثلا يتم مساعدتك لإعادة ادماجك في المجتمع، اما في المغرب تحس وكأنك منبوذ. وكأن حياتك انتهت.
شهادة “حسن السيرة والسلوك” يُفترض ان تأخذها من مخفر الشرطة، الخيار ان يكون فيها “لاشيء”، او ان تكون فيها عبارة “لا- نعم”. فترى “لا” كبيرة، و”نعم” كبيرة. وتكون ثقلا تحمله معك.

أين اشتغلت في المدة التي بعد الخروج من السجن؟
ما كان ساعدني، هو اني كنت اخرج من المدينة كثيرا، واتحرك على طول الشاطئ بين مختلف نقاط الساحل، سواء في فضاءات السورف (ركوب الأمواج او الصيد) او العلاقات مع السياح، سواء الاجانب او من بقية مناطق المغرب. خرجت من الداخلة وساعدنا الناس في مناطق ايمسوان، اكادير والصويرة، واشتغلت معهم، ووضعوا ثقتهم في، لأنهم كانوا يعرفون اني كنت مسيرا للكومبينغ واني كنت اعتقلت بدون ذنب، وتعاملوا معي كشخص وليس كسجين سابق.

ثم، تزوجت، أين؟
التقيت زوجتي في تلك المرحلة، المرحلة التي جاءت بعد السجن و محاولاتي للعمل. التقينا في الصويرة، في سياق مهرجان كناوة، ولما التقينا فهمنا اننا نريد بناء مشروع حياة مع بعض، وكان ذلك جيد. فجأة، رغم كل المشاكل التي تراكمت، من كل جانب، بدأ كل شيء يتيسر، كل الأوراق، كل الإجراءات. اقسم بالله… وكأن هناك شخص في الخفاء بدأ يدفع الأشياء لمساعدتي. الى ان وصلت الى مارساي.

هل تذكر ماذا جلبت معك لمارساي بقيمة رمزية؟
جلبت معي صور عائلتي.
لم أكن أعرف ماذا يمكن ان اجلب معي، حتى الديبلومات لم اجيء بها. كنت لا اعرف ماذا سأحتاج. جلبت معي فقط رخصة السياقة التي حصلت عليها في الأسبوع الأخير فقط من مقامي في المغرب. بحكم اني حصلت متأخرا على بطاقة الهوية اذ لم يكن بوسعي الحصول عليه مسبقا.

تذكر أول لقاء لك مع المدينة؟ لما وصلت لمارساي كيف احسست تجاهها؟
لم احس انها غريبة، ربما بحكم اني ذهبت مرتين ربما باسبانيا واني قادم من المغرب وان عندي تجارب سفر كثيرة.
لما وصلت للمطار، وجدت زوجتي تنتظرني هناك وجلبتني للمدينة.

كيف قضيت الأشهر الأولى؟
الأشهر الأولى كانت صعبة، اذ لم اكن اعرف احد غير زوجتي.
ما كسر عزلتي بداية، اني علمت ان هناك بار في ساحة “نوتر دام دي مون” يرتاده العرب والمغاربة ومسيره فلسطيني.
ذهبت لأكتشف مرة، في المرة الثانية التقيت مع شخص مصري، لما قلت له اني من المغرب، عرفني عليك وعلى بعض الشباب المغاربة والعرب.
كان همي الكبير ان اجد عملا يمكنني من الاندماج في المدينة والحياة هنا.

كيف حاولت الاندماج؟
حدثت نفسي ان أهم شيء يمكن ان اقوم به هو ان ادرس واتعلم. رغم ان اجهزة التوجيه كانوا يقولون لي ان لغتك الفرنسية جيدة، لكني كنت اعرف انها ليست بالمستوى الذي اريد، واصررت ان ادرس اللغة الفرنسية.
درستها في مدرسة بتوجيه من Office Français Immigration Intégration، اي المكتب الفرنسي للهجرة والادماج.

كيف كانت دروس اللغة؟
كانت جيدة، عرفت عبرها الكثير من الأشياء التي لم اكن اعرف في اللغة. تعلمت معلومات اضافية على ما كنت اعرف من اللغة الفرنسية.
لما تذهب للمدرسة يختبرون مستواك، وبعد ذلك يحددون كم من الساعات التي تحتاج لتستكمل مستواك. قرروا حينها اني احتاج 150 ساعة. درستها في حوالي شهر. يبدأ الدرس في الثامنة الى الثانية عشرة. ثم درس زوالي بين الثانية و الرابعة او الخامسة.
وفي نفس الوقت تعرفتُ فيها على زملاء. وكانت مختصة بالمهاجرين.

في نفس الوقت كنت بدأت أذهب متطوعا في جمعية، اسمها La cloche Marseille. الجمعية كانت تساعد الأشخاص بدون مأوى وتوزع عليهم المساعدات. كانت رغبتي ان اتعرف على الناس مما يساعدني على الاندماج وتكبير شبكة علاقاتي وتحركاتي. كنت اريد ان اجد ما اريد ان افعل.

كيف عرفت ما تريد ان تفعل؟
اشتغلت. كنت ابحث على اي شغل يمكن ان اقوم به. بما فيه التنظيف وغيره.
بعد التكوين في اللغة الفرنسية الذي تابعتُ لتقوية فرنسيتي، يقومون في المدرسة بتنظيم لقاءات وورشات بغرض التوجيه لتحديد الشغل الذي يرغب كل فرد في ممارسته.
لم يكن عندي في السابق أي ديبلومات، اذ كنت غادرت المدرسة مبكرا، من مرحلة الاعدادية.
لم اكن اعرف ماذا انوي دراسته كتعليم مهني، ولم تكن عندي اي تفضيلات مهنية. كنت فقط اثوق للشغل.

كانوا يخبروننا ببداية هذا التكوين او ذلك، وتابع معي المكتب الفرنسي للهجرة والاندماج لبناء خطة فيما يخص موضوع الشغل. وهذه المتابعة كانت اجبارية منهم، لأنهم هم الذين يجددون الفيزا بعد الوصول بشهر، ويعطوك بطاقة اقامة، ويتابعون معك مشروعك العملي والحياتي في المدينة، ووضع اللغة الفرنسية معك ومقدار حاجتك لدروس تكميلية في اللغة، وغيرها..
بحكم حينها لم يكن عندي الشيء الكثير، لم اكن اعرف على ماذا يمكن ان اعتمد لتحديد طبيعة الشغل الذي اريد ممارستها.
بدأت احاول مهناً تقريبا بطريقة عشوائية، وكانت صعبة. مثلا، بدأت اشتغل “مفصل او قاطع حجارة” (حجار؟) tailleur de pierre، وهو عمل يتطلب الكثير من الجهد العضلي، ويتوجه له الكثير من المهاجرين، او الاشخاص الذين خرجوا من السجن، فيرسلونهم لهذا العمل.

اقترح علي “بول امبلوا” هذا الشغل، فقبلته، وكانت تجربة صعبة إذ هي تتطلب مجهود عضلي. كنا يوم ندرس ويوم نشتغل، وكانوا يمنحوننا حوالي ألف أورو كأجرة. والشركة التي كنت اشتغل فيها، تعنى بالتراث المعماري ورعايته، وتجديده وتنظيفه. يقومون أيضا بمتابعة مشاريع الطلبة ورغباتهم.
تابعت هذا التكوين لحوالي ثمانية اشهر، وتعلمتُ فيها الحرفة، لكن أكثر من الحرفة تعلمت النظام. نبدأ العمل في السابعة صباحا، يعني ان على الساعة السابعة تحديدا يجب ان تكون هناك. بمعنى ان تستيقظ في الخامسة والنصف مثلا، وتجهز نفسك لتكوين هناك في الوقت المطلوب. علمني هذا التكوين قيمة الانضباط. وفهمتُ الكيفية التي يشتغل بها الفرنسيون، التي تختلف عن طرق الاشتغال في المغرب.

في الأول وقعتُ معهم عقد عمل يستمر ستة أشهر، ولما انتهيتُ جددوا لي ستة اشهر اخرى، ويكون من حقك ان تشتغل هناك لمدة عام واحد، وينتهي التكوين، ومن بعد عليك أن تجد فرصة عمل بنفسك.
بعد ان جددت المرة الثانية عقدة عمل لستة أشهر، كنت قد بدأت شهرين من عقدي الثاني، ووجدت تكوينا في Photovoltaique، اي الطاقة الشمسية. وقررت ان ابدأ التكوين فيها.

كيف وجدتها؟
في نفس مركز التكوين، كانوا قرروا الانطلاق في هذا التكوين المهني لأول مرة.
كنت في فترة استراحة الظهيرة من تكوين تفصيل الحجارة، خرجت للساحة لأهيء غدائي، فالتقيتُ في الساحة مسؤول التكوين Photovoltaique، كان يحمل معدات ويهيئ قاعة التكوين. اقتربت منه وسألته عن المعدات التي كان ينقل، فأخبرني انهم ينوون الانطلاق في التكوين، فسألته عن مضمون التكوين، فأخبرني انه عن الطاقة الشمسية. سألته عن شروط الالتحاق، فأخبرني أن الشيء الوحيد الذي يطلبونه هو “رخصة السياقة”. (يضحك). العجيب أن “رخصة السياقة” كان هو الشهادة الوحيدة التي كانت عندي من المغرب. وانهم ينظرون لأي تجربة في العمل اليدوي بشكل جيد. فأخبرته اني قضيت ثمانية اشهر في تفصيل الحجارة، ما يعني اني كنت اعرف الى حد ما كيف اشتغل بيدي “bricolage”.
قال لي ان المقابلة في اليوم الموالي. اخبرت اصدقائي عن التكوين، كان احدهما سوداني والاخر جزائري، وذهبنا مع بعض عند السيد المسؤول عن التكوين.
توقيف التكوين القديم وبداية التكوين الجديد كان يعني ان الأجرة التي كنا نحصل عليها ستقف عن الورود. وتنزل المداخيل بشدة، بدل الاجرة التي كنا نحصل عليها والتي كانت اصلا محدودة، تصير المداخيل فقط التعويضات عن البطالة التي كانت حوالي ستمائة أورو. وأخبرني المسؤول أن التكوين يستمر ثلاث اشهر، بساعات كاملة، اي 35 ساعة في الأسبوع.
ولكنه طمأنني ان من بعد تكوين ثلاث اشهر، ان افاق العمل جيدة. واخبرني ان الامر مضمون. ان اجد فرصة عمل جيدة وآفاق حسنة.

كنا حوالي 24 شخص مرشح للتكوين، وقُبلنا 11 شخص فيه.
لما بدأت التكوين، مقارنة مع زملائي، كنت جيدا في المواد التطبيقية، ولكن كان تحديا لي ان اساير التكوين، خاصة ان بين رفاق التكوين من درسوا في فرنسا او من الفرنسيين. كنت أعوض ذلك بتفوقي في التطبيقي.
راكمت شهادات واقرارات في التكوين. وبين 11 شخص في التكوين، كنت أول شخص يجد عملا بعقد عمل دائم.
انهيتُ التكوين، وجلست ارتاح ثلاث اشهر، اذ كنت مررت بين تكوينين من غير راحة، كنت قد أجهدت. خاصة اني في تكوين الحجارة كنت اشتغل بالتوازي في البارات والمقاهي من أجل استكمال أجرتي.

كيف وجدت الشغل في البار أول مرة؟
كانت مباراة لكرة القدم، وجاء جمهور كبير ليشاهدها في بار كنت ارتاده احيانا. فساعدتُ مالكه على الزحام والطلبيات. ولما انتهيت عرض علي ان اعود لأشتغل معه. احيانا ثلاث ساعات او اربعة، اربع اربعين اورو، توفر على ثمن السجائر والاشياء اليومية.

بعد الثلاث أشهر من الراحة من التكوين، ماذا فعلت؟
كنت قد أنجزت سي. في. (سيرة مهنية) جيدة. إذ في مركز التكوين المهني يعلمونك كيف تكتب سيرتك، وكيف تبحث عن عمل. وبدأت ابحث في مواقع التشغيل مثل Indeed. وجدت عرضا عليه، فترشحتُ، فاتصلوا بي لما اطلعوا على سيرتي المهنية، وعرضوا علي مقابلة مهنية، ولما ذهبت، عرضوا علي أن أشتغل معهم بعد شهر، احسست انهم ناس جيدين، والأمور مرت على خير. كنت احدث نفسي اني اشتاق للعمل، وبدى لي ان شهر من الانتظار زمن طويل. لكنهم عاودوا الاتصال بي مرة اخرى، وعرضوا ان ابدأ الشغل بعد اسبوع فقط، وكان ذلك شيء مسعد لي.
ذهبت لتوقيع العقد، اقترحوا عقدا لشهر واحد، مرحلة تجريبية نرى بعدها كيف ستسير الأمور، فوقعت وبدأت الشغل. بعد شهر عرضوا عقدا جديدا من ثلاثة أشهر. لما مرت الثلاثة اشهر على خير، اخبروني اننا سنُوقع عقد عمل دائم.
ومن ناحية الأجرة فالأمور جيدة، اذ هناك غير الاجرة العالية مقارنة بالأعمال الاخرى التي اشتغلت في حياتي، تنضاف تعويضات عن السفريات المرتبطة بالعمل وغيرها. وكانت فعلا الأجرة عالية من أول شهر بدأت فيه العمل.

كيف تقارن مع العمل السابق؟
كلاهما يعتمد على الجهد الجسدي، لكن الفرق بينهما كبير خاصة في الاجرة. الان اقوم بثبيت الروابط والأسلاك الكهربائية. احس انها خدمة جيدة. وايضا مكنتني من التعرف على مختلف مناطق فرنسا للعمل فيها.

ما اهم العناصر التي مكنتك من الاندماج في المدينة؟
آمنت انه يلزم التحلي ببعض الجدية. لم أتغيب او اضيع اي موعد عُرض علي، كنت اذهب وابحث عما يمكن ان افعل بجدية.

لنفترض أن أشرف 2017 وصل الى مارساي اليوم، الى أين تحب ان تأخذه ليتعرف على المدينة؟
الى البحر، ربما تحديدا الميناء القديم. احس ان من التلقائي ان أخذه الى هناك.
ثم ساحة كور جوليان.

لماذا هذين المكانين تحديدا؟
لأن فيهما خليط عجيب من الناس والاقوام واللغات، وداخل هذا الخليط المختلف، تحس انك لست اجنبياً، ولست غريبا، فالجميع غرباء، وفي الغربة المشتركة بين الجميع تحس بالألفة.
ربما كنا نذهب للنزهة في برادو.
ما أهم شيء للعيش في المدينة والبلد عموما؟
افترض أنها اللغة، اللغة عنصر مهم. اذ الناس مختلفين، ما قد اريده انا ربما لا يريد الآخر، وما يريد الآخر قد لا اريد انا… لكن الأساسي هو اللغة لنفهم بعضنا.

ما الأشياء التي تفعل وفعلت لترتكز في المدينة؟

افترض اني كنت محظوظا، فيما يتعلق بالعمل والاحساس بالاستقرار، الاستقرار المادي يدفعك للاستقرار المعنوي والنفسي. لما تستقر في الشغل، تتجرأ على التفكير في آفاق احسن لحياتك. افاق للمستقبل سواء هنا او في بلادك. قبل الشغل كان كل شيء غامض، بدرجة تجعل من الصعب التفكير في المستقبل، زد عليه الضغط لمساعدة اهلك في المغرب، وكيف يراك الناس هناك، انت الذي هنا، وكيف يفترضون انك تعيش هنا في رغد بدون معاناة يومية، ويقينا ان الجهد الجسدي والعقلي الذي يبدله الإنسان هنا للعيش، اكبر بكثير من الجهد الذي يبدله هناك.
ما الفرق في تقديرك بين أشرف مارساي وأشرف الداخلة؟
فرق كبير جدا.
لما اكون في الداخلة اكون كالشخص في بيته، إذ اعرف برمجيات العيش هناك وكلمات الولوج فيه. أي باب مغلوق بوسعك ان تفتحه حتى بدون ان تملك المفاتيح، لأنك تفهم كيف تسير الأمور هناك وأنه “مكانك الطبيعي”.

ما الذي ينقصك هنا لتحس انك في مكانك الطبيعي؟
ليس يمكنك ذلك، لأن الثقة تؤسسها مع احبابك واصدقائه، تراكمها عبر سنين طويلة وليس فجأة. حتى يعرفك الناس وتعرفهم يلزمك استثمار وقت طويل. الان احس اني احتاج للوقت لأؤسس علاقات مع الناس. اما هناك، فالمدينة كلها كأنها دارنا.

ما الأشياء التي قد تنقصك من الداخلة في مارساي؟
العلاقات تحديدا. اما الاشياء فيمكن ان تعيش بها او بدونها.
احاول ان لا افكر كثيرا في “الهناك”.

لماذا؟
لان تفكيرك يتشتت وتصبح معذبا. من الاحسن ان تعتمد على هنا. وتفكر ماذا يمكن ان افعل وكيف افعله، بدل ان تفكر هناك وتبقى مسجون الحنين والضيم والشوق لعائلتك.

ماذا وجدت في مارساي لم يكن في المغرب؟
اشياء كثيرة، لا احد في المغرب يسألك عما تحب او تقرر فعله بحياتك، وماذا تريد أن تكون، احس ان في المغرب ليس عندنا حظ ذلك او حتى الحق فيه. وتعيش بدون حتى ان تطرحه على نفسك.

ما الذي يجعل طرح هذا السؤال ممكنا هنا؟
النظام كله موضوع بطريقة تجعل ذلك ممكنا، وانه حق لك. بمجرد ما تبدأ تنتمي لطريقة تنظيم الأشياء هنا، تبدأ تفكر بطريقة آلية في جوابك على هذا السؤال، وتفكر مثله، فيما يجب ان تفعل، ومخططك لبعد عشر سنين مثلا، وكيف بوسعك ان تتكيف حينها مع مواضع قوتك او ضعفك. وتبحث عن حلول لكل ذلك. وتخطط مسبقا في كل ذلك.

لماذا اخترت الاستقرار في مارساي تحديدا؟
الأمور كانت تلقائية، زوجتي كانت هنا فجئت تحديدا هنا، ولم اعش في مكان آخر من اوروبا.

هل ترغب في استبدالها؟
اطرح كثيرا هذا السؤال على نفسي، والرغبة في تجريب شيء آخر. اريد ان ازور مدنا واحاول في مدن اخرى. لكن الان ليس بوسعي لأن وقت استطيع فيه فعل ذلك. في فرنسا لما يكون عندك الوقت لا تكون عندك الفلوس، ولما تكون عندك الفلوس لا يكون عندك الوقت.

ما النصيحة التي يمكن ان يوجه اشرف 2021 لأشرف 2018؟
ان يساعد نفسه، والا يضيع الوقت. هنا يمكن ان تحصل على المساعدة من المؤسسات، لكن يجب ان يساعد الفرد نفسه، ويبدل جهدا مضاعفا في تكوين العلاقات والبحث. وأن يكون الإنسان صبورا. يجب الا يتوهم ان فقط مجيؤه لاوروبا حسم الامور. يجب ان يظهر الجدية. خاصة اني لست فرنسيا، بل انا مهاجر.

ما الفرق؟
الفرنسي لما مثلا يقوم بتكوين، فهو راكم قدرات وتكوينات وامكانيات مادية، تجعل التكوين اضافيا لما راكم.

والمهاجر؟
المهاجر لما يقوم بالتكوين، فهو يقوم به لينقذ نفسه ويشتغل ويساعد نفسه للخروج من الأزمة. الفرنسي ليس محتاجا للخروج من الازمة، عنده اوراق اخرى بوسعه ان يلعب بها اذا أحس انه في ازمة.

ما الذي قد يمكنك من ان تحس انك هنا في مدينتك ومكانك الطبيعي؟
مستحيل.

كيف يمكن ان نقرب تلك الحالة؟
الشغل. العلاقات مع الناس وتراكمها مع الوقت. وان تصل الى الاستقلالية والاعتماد على ذاتك.

احس وكأنك ضبطت كل هذه العناصر، ماذا ينقص إذن بعد ذلك؟
بعد ذلك تبدأ في الحفر اعمق، ان تجلب امك او ابيك ليزورا المدينة والبلد، ان تفتح الآمال لأخيك وتساعدك ليجد مساره بدوره.